عثمان بن جني ( ابن جني )

262

الخصائص

أفلا ترى إلى اعتباره بمشاهدة الوجوه ، وجعلها دليلا على ما في النفوس . وعلى ذلك قالوا : " رب إشارة أبلغ من عبارة " وحكاية الكتاب من هذا الحديث ، وهي قوله : ( ألا تا ) و ( بلى فا ) . وقال لي بعض مشايخنا رحمه اللّه : أنا لا أحسن أن أكلّم إنسانا في الظلمة . ولهذا الموضع نفسه ما توقّف أبو بكر عن كثير ممّا أسرع إليه أبو إسحاق من ارتكاب طريق الاشتقاق ، واحتجّ أبو بكر عليه بأنه لا يؤمن أن تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها ، ولم ندر ما حديثها ، ومثّل له بقولهم ( رفع عقيرته ) إذا رفع صوته . قال له أبو بكر : فلو ذهبنا نشتقّ لقولهم ( ع ق ر ) من معنى الصوت لبعد الأمر جدّا ؛ وإنما هو أنّ رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى ، ثم نادى وصرخ بأعلى صوته ، فقال الناس : رفع عقيرته ، أي رجله المعقورة . قال أبو بكر : فقال أبو إسحاق : لست أدفع هذا . ولذلك قال سيبويه في نحو من هذا : أو لأن الأوّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر ، يعنى ما نحن عليه من مشاهدة الأحوال والأوائل . فليت شعري إذا شاهد أبو عمرو وابن أبي إسحاق ، ويونس ، وعيسى بن عمر ، والخليل ، وسيبويه ، وأبو الحسن ، وأبو زيد ، وخلف الأحمر ، والأصمعىّ ، ومن في الطبقة والوقت من علماء البلدين ، وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها ، وتقصد له من أغراضها ، ألا تستفيد بتلك المشاهدة وذلك الحضور ما لا تؤدّيه الحكايات ، ولا تضبطه الروايات ، فتضطرّ إلى قصود العرب ، وغوامض ما في أنفسها ، حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلّته عليه إشارة ، لا عبارة ، لكان عند نفسه وعند جميع من يحضر حاله صادقا فيه ، غير متّهم الرأي والنحيزة والعقل . فهذا حديث ما غاب عنا فلم ينقل إلينا ، وكأنه حاضر معنا ، مناج لنا . وأمّا ما روى لنا فكثير . منه ما حكى الأصمعىّ عن أبي عمرو قال : سمعت رجلا من اليمن يقول : فلان لغوب ، جاءته كتابي فاحتقرها . فقلت له : أتقول جاءته كتابي ! قال : نعم أليس بصحيفة . أفتراك تريد من أبى عمرو وطبقته وقد نظروا ، وتدرّبوا ، وقاسوا ، وتصرّفوا أن يسمعوا أعرابيّا جافيا غفلا ، يعلّل هذا